الـمُتَّـهمُ الضَّـحِـيَّة
للشاعر الهاوي سامي رزقي
..
كانتِ الدنيا ربيعـاً..
ليتَـهُ...
عندما صدم شخصٌ بسيَّارتِهِ..
شخصاً .
بعضهم قال :"أرداهُ قتيلاً ! "،
والبعضُ قال أنه كان صريعاً .
لا يهُمُّ اِنْ كان قتيلاً أو صريعاً ،
طالما المرميُّ أرضاً، عبدٌ..
خِلتُهُ كان وضيعاً.
جاءتِ الاسعافُ بعد طولِ الانتظارْ...
تحمل المرميَّ أرضاً..
كان حياًّ..
كان ميْتاً...
لا، بلْ كان طَوْرَ الاحتضارْ..
ساقتِ الشرطةُ صاحبَ السَّيَّارة،
وشخصاً وأنا ،من بينِ المارَّة.
كشاهِدَيْنِ سِيقَ بِنا إلى مركز الشرطة..
أَ تُرى صاحب السَّيَّارة "المرسيدس" في ورطة ؟
ها هو البرجوازي يُخْرِجُ من جيبه هاتفا نقالاً..
يرحم الله جدي الذي عاش ومات بقالاً،
و أباه الذي كان بطالاً..
تُراه بمن يستجير ؟
بمسؤولٍ أم بمديرْ..
أمْ أنَّهُ طلبَ الوزيرْ...
كُنْتُ قد تَعِبْتُ من طول المسافة و من طول التفكيرْ.
عندما أوشكنا أن ندخُلَ مكتبَ الشرطيِّ المعنيِّ بالقضية
وقبل أن يُسَلِّمَ الأخيرْ،
التصق المتهم بالمسؤول عن القضية !
ليهمس له بمعلوماتٍ بدتْ في غاية السرية،
......
تَغَيَّرَ وجهُ الضابطِ وقال :"يا جماعة ،الأمرُ دونـما أهمية ! "
وما هي إلاَّ ثوانٍ ،لِيُعْلَمَ الضابطُ عن مكالمة هاتفية..
الشاهد قال لي:"إنها زوجتُهْ، أو هي حماته البليَّة! "،
داخلني شيء من الضحك،لكن الأمر بدا في غاية الجدية،
و لم أجِدْ للضابط من إجاباتٍ...
سوى:"نعم"،ثم"نعم"، ثم "نعم،يا صاحب السُّلْطةِ
العَلِيَّة"،
انتهت المكالمة،وقيل للشاهدِ بجنبي:"يا أخانا، ماذا حَدَثْ
؟"
أجابْ :
" يا أيها الكبيرْ،
إني رأيتُ بأُمِّ أعْيُنِي..
هذا الشخصَ
بسيَّارتِهِ يسيرْ،
عفوًا حضرةَ الضَّابطْ،
إنه كاد يطيرْ،
وكانت هنالك إشارة ضوئية،
لم يحترمها،
ولم يُكِنَّ لها أيَّ تقديرْ،
وبالرُّغم من ايقاف الشرطي له بالصفيرْ..
لم يرتَدِعْ،
بلْ زاد من غضبِهِ،وشرِّه المستطيرْ...
و هكذا قتل الضحية،
أو ربما ألْزَمَهَا السريرْ".
أجابه الضابط ساخطاً:
"والله حِقْدُكُمْ هذا سيدفعكم إلى الهاوية،
وكي تُبْرِيءَ ذِمَّتَكْ،
عليك بصدقة جارية..
و حيث أن قراراتي،
جميعها هنا سارية!
فإنني أُلْصِقُ بك تهمة..
لاَ،بلْ عقوبة ضارية،
أيها الشُّرطيُّ،
خذه، وارمه في نارٍ..
أعني زنزانة حامية،
هذا قرارٌ ارتجاليٌّ...
وقراراتي كلها ماضية".
ثم رمقني بنظرةٍ،
خِلْتُهَا كانتِ القاضية !
وقال :" أيها الشاهدْ،
هلْ تشاطرُ حاقدًا، أمْ تُراكَ مِنْ ذوي العقلِ السليمْ ؟"
صَمَتُّ بُرْهَةً،
وفَكَّرْتُ لَحظةً..
ثم قُلْتْ:"يا سيدي الكريم،
ما عاذ اللِه أن أُشاطرَ الحاقدَ، أو اللئيمْ..
إنَّنِي، واللهُ أعلمْ،أرى في الأمر مايَلِي...
فهل ليِ،
أن أُدافعَ عن حالِي" !!!
أُمِرْتُ بالكلامِ فقُلْتْ:
"يا سيدي، إن هذا المتهم،عفوا إنما أعني الضحية !!
لم، ولن،وما كان ليرتكب مثل هذه البلية،
إنما سُرِقَتْ سيارته،ومثل هذا نقرؤه في الصحف اليومية..
وكان سارق السيارة مُدْمِنًا على المشروبات الكحولية !!!
فاخترق الإشارةَ و الشُّرطيَّ،دون أن يعيرهما أيَّ أهمية..
واذْ بِهِ يُفَرْمِلْ،لأنه اشتم من الحانة رائحة زكية،
ويَنْزِلْ،كي يقطع الطريق،فصدمته سيارة من نوعية فرنسية...
وفرَّ صاحب السيارة،ولم يترك إليه أية مطية،
وصادف أن سارصاحبُنا بجنب السارق الضحية،
فقيل أنه المذنبْ،ووالله إنه بريءٌ ونيته سوية!!!".
نطق الضابط قائلاً:
"أحسنتَ يا صاحب الأخلاقِ،والـمُـثـُلِ العَلِية..
وقِّعْ على أقوالك،ولَكَ منا هدية!!"
قلت:
"لاأريد شيئا، غير خروجي من هنا دون أذية!!!"
سَخِرَ الاثْنانِ مِنِّي، و أعاد الضابطُ إلي
بطاقة الهوية.
وبعد يومين،
ذهبت لزيارة المصدوم،
فقيل لي أنه مات بأزمة قلبية..
وبينما أنا راجع،
رأيت الضابط والبرجوازي، ثملين !!
يخرجان من أحد المراقص الليلية.